السيد كمال الحيدري
258
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مضت الإشارة إلى أنّ الفكر الفلسفي والكلامى قدّم تكييفات نظرية متعدّدة لمقولة النظام الأحسن ؛ من ذلك ما ذكره الطباطبائي : « والواجب تعالى غنىّ الذات ، له كلّ كمال في الوجود ، فلا يستكمل بشئ من فعله ، وكلّ موجود فعله ، ولا غاية له في أفعاله خارجة من ذاته . لكن لمّا كان له علم ذاتىّ بكلّ شئ ممكن يستقرّ فيه ، وعلمه الذي هو عين ذاته علّة لما سواه ، فيقع فعله على ما عَلِمَ ، من غير إهمال في شئ ممّا علم من خصوصيّاته والكلّ معلوم ، فله تعالى عناية بخلقه . والمشهود من النظام العام الجاري في الخلق ، والنظام الخاصّ الجاري في كلّ نوع والنظم والترتيب الذي هو مستقرّ في اشخاص الأنواع ، يصدّق ذلك . فإذا ما تأمّلنا في شئ من ذلك وجدنا مصالح ومنافع في خلقه نقضي منها عجباً ، وكلّما أمعنا وتعمّقنا فيه بدت لنا منافع جديدة وروابط عجيبة تدهش اللبّ وتكشف عن دقّة الأمر وإتقان الصنع » « 1 » . هكذا ينتهى نمط الاستدلال العقلي إلى أنّ هذا العالم يندرج في نطاق أحسن وأتقن وأحكم نظام ممكن . وهذه هي الحقيقة التي يتعاضد في إثباتها النقل مع العقل ، وهما يلتقيان على معنىً واحد . الاستدلال النقلي في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات تؤلِّف قاعدة مكينة لإثبات حقيقة النظام الأحسن الذي يرمى بظلاله على أفناء عالم الإمكان ، منها قول الحقّ سبحانه : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ « 2 » ، حيث استدلّ
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، ص 309 ولا يخفى أنّ هذا الوجه بحاجة إلى بيان مجموعة من المقدّمات الفلسفية أعرضنا عنها ، اكتفاءً بما مرَّ في الوجه الذي سبقه . ( 2 ) النمل : 88 .